آقا بن عابد الدربندي

14

خزائن الأحكام

والوصايا ونحو ذلك فاعلم أنه قال في توجيه قوله عليه السلام « العلم نقطة كثرها الجاهلون » ويتفرع على كلامه الأخير معنى قوله ع العلم نقطة كثّرها الجاهلون وذلك ان العلم الحقيقي هو المتقوّم بما يلي الجهة العالية من النفس ومدركه الشهودي واما العلم التفصيلي المتحصّل بما يلي الجهة السّافلة من النفس ويكون في المشاعر الظاهرة فهو صور مختلفة لتلك الحقيقة الواحدة فيكون العلم الحقيقي هو تلك الحقيقة البسيطة الذي عبّر عنه بالنقطة والعلماء الجاهلون بذلك العلم البسيط عبروا عنه بالصور المتعددة والعبارات المختلفة فصار متكثرا بالألفاظ والعبارات بحسب تفاوت أفهامهم وحصول الصور المتشعبة في عقولهم وفي ذلك التحقيق أيضا إشارة إلى معنى ما روى عن أمير المؤمنين ع أنه قال العلم كله في القرآن وعلم القرآن في سورة الفاتحة وعلم الفاتحة في بسم اللّه الرحمن الرّحيم منها وعلم البسملة في الباء منها وانا النقطة تحت الباء وذلك ان العلم الحقيقي هو العلم الحقيقي « 1 » هو علم التوحيد وما يتعلق به من العلوم والمقدمات وقد دلّت عليها سور القرآن بألفاظ مختلفة ثم إن سورة الفاتحة دلّت على تلك العلوم الحقيقة بألفاظ احضر من تلك الالفاظ واما البسملة فقد دلت أيضا بما هو أوجز منها لان علم التوحيد يشتمل على الدلالة على الذات والصّفات الغالبة المخصوصة بتلك الذات وعلى الصفات المشتركة الا ان لتلك الذات المقدسة الحظّ الأوفر منها وعلى الأسماء أيضا والبسملة متضمّنة للعلوم الأربعة واما الباء فهي كما قال المحققون من المفسّرين باء الاستعانة ولا يتم تحصيل شيء من تلك العلوم ولا من غيرها الا بالاستعانة بذاته تعالى وصفاته وأسمائه المقدّسة في بيان أن أمير المؤمنين عليه السلام النقطة تحت الباء وبيان تأويلها واما انه ع النقطة تحت الباء فلانه يميّز ويبيّن تلك العلوم من تلك المواضع المتكثرة كما أن نقطة الباء تميزها وتفصّلها عما يشاركها في المركز من التاء والثاء وذلك أنه ع برزخ بين عالم الوجوب والامكان كما ورد ان كلامه فوق كلام المخلوق وتحت كلام الخالق وكذلك ساير صفاته سلام اللّه عليه واما حقيقة فهو النور الإلهي أول الموجودات كما قال اخوه وابن عمّه صلوات اللّه عليه وعلى أهل بيته الطّاهرين خلقت انا وعلىّ من نور واحد وكان بتلك الحقيقة المفاض عليها الصّورة النوريّة قبل خلق الموجودات وبها كان معلّما للملائكة « 2 » من جبرئيل ع ومن دونه وكان أيضا مع الأنبياء ع كما قال ع كنت مع إبراهيم ع في نار النمرود وجعلتها عليه بردا وسلاما وكنت مع موسى ع وعلمته التورية ومع عيسى ع وعلمته الإنجيل ومع سليمان ع وسخّرت له المردة من الشياطين وعدد ع كثيرا من الأنبياء ع وقال جبرئيل للنبىّ ص ان اللّه تعالى بعث عليا مع الأنبياء باطنا ومعك ظاهرا ثم لما جرى قلم التقدير بتولده وخروجه إلى هذا العالم المشاهد المحسوس أفيض على تلك الحقيقة النورانية صورة بشريّة متناسبة لهذا العالم الحسّى غير انا لا نقصر بها صورة واحدة بل صور متعدّدة متناسبة وغير متناسبة في تمثّل الأئمة عليهم السلام بصورة متكثّرة اما الأولى فيما روى متواترا من أنه ع يحضر عند كل مؤمن كافر وقت الموت وقد يموت في اللحظة الواحدة آلاف من الناس فحضورهم عند جميعهم يكون بتلك الصور المتكثرة المفاضة على تلك الحقيقة وكذلك ما روى أنه ع كان في ليلة واحدة ضيفا عند أربعين من الصّحابة وأما الثانية فيما ورد في واقعة الطفوف من أن أسدا كان يجيء عند قرب الليل إلى تلك الأبدان العاريات وكان يتخطاها حتى يقف على بدن مولانا الحسين ع فيجثو عنده ويقبّله ويبكى فقال الجن الذين كان ينوحون على الحسين ع في تلك الفلاة هذا الأسد هو أبوه أمير المؤمنين ع ويظهر من ذلك التحقيق أيضا السرّ الوارد في ان الأئمة عليهم السّلم كان الناس يرونهم على الصور المختلفة أو الحالات المتفرقة ويظهر منه اسرار كثيرة فصّلناها في ذلك الكتاب من أرادها وقف عليها من هناك انتهى كلامه أقول ان ما أشار اليه هذا الفاضل المحدث والبارع والمحقّق من البطون والاسرار الرقيقة والتفاسير والتأويلات الرشيقة مسدّدا كل ذلك بأحاديث أخر مشكلة وآثار متشابهة وان كان مما لا ضير ولا غائلة فيه الا ان الأولى والأحوط في أمثال تلك المتشابهات الايمان بها وعدم التعرّض لخصوصيّاتها وتفاصيلها وإحالة عنها إلى القائم من آل محمّد ص ونصب ما عن أمير المؤمنين ع بين العينين حيث يقول إن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فمدح اللّه تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما وسمّى تركهم التعمّق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا الحديث ومع ذلك فان اجالة الافكار وتدقيق الانظار من المؤيّدين بالذّهن الثابت والفكر الصّائب في الاخبار المشكلة والآثار المتشابهة واستنباط المؤيّدات والمسدّدات في المطالب العقلية والمباحث الشّرعيّة مراعيا في ذلك عدم الخروج عما عليه اتفاق الاماميّة أصلا أو لازما أو ما يحكم به العقل كقاعدة التحسين وما بمثابتها مما لا منع عنه بل يستحسن في بعض الأحيان نظرا إلى بعض الاعتبارات والجهات ان لم نقل بلزومه فأقول ان ما ذكر في جملة من كلامه من عدم الاقتصار في الأئمة الطاهرين والأولياء المطلقين على صورة واحدة وتسديد ذلك بالاخبار المشار إليها مما التزم به بعض أفاضل المحدثين ذوى الانظار بعد فرض وقوع هذا الاتفاق والاكتفاء بمحض الامكان من موت الف من الناس في ان واحد مشيرا اليه بقوله انه إذا قلنا بان حضورهم عند المحتضرين في الأجساد المثالية يمكن ان يكون لهم أجساد مثالية كثيرة لما جعل اللّه تعالى لهم من القدرة الكاملة التي بها امتازوا عن ساير البشر هذا ولا يخفى عليك ان ذلك كما لا يستلزم التناسخ الباطل كما مر اليه الإشارة كذا لا يستلزم الانقلاب في حقيقة الرّوح ونحو ذلك من الأمور المستحيلة ولكن هذا انما على البناء على تجرد الرّوح وتحقق العلقة بينه وبين الأبدان أصلية أو

--> ( 1 ) إلى ( 2 ) من